مخاوف صحية وبيئية.. مخاطر “المطر الأسود” تهدد السكان في إيران
مخاوف صحية وبيئية.. مخاطر “المطر الأسود” تهدد السكان في إيران
تصاعدت المخاوف الصحية والبيئية في إيران بعد تحذيرات أطلقتها منظمات أممية بشأن ظاهرة “المطر الأسود” التي سُجلت في بعض المناطق عقب الهجمات الجوية التي استهدفت منشآت نفطية، وتقول تقارير دولية إن احتراق كميات كبيرة من النفط وانبعاث الغازات السامة في الهواء أدى إلى تشكل غيوم كثيفة من الدخان الملوث، امتزجت لاحقاً مع الأمطار لتسقط على شكل قطرات داكنة محملة بجزيئات نفطية ومركبات كيميائية، وتثير هذه الظاهرة قلقاً متزايداً بشأن المخاطر الصحية المحتملة على ملايين السكان، خاصة في المدن الكبرى التي تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من تلوث الهواء.
تحذير أممي من المخاطر الصحية
حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأمطار السوداء والمركبات السامة المنتشرة في أجواء إيران قد تؤدي إلى آثار صحية خطيرة، خاصة في الجهاز التنفسي، وقال المتحدث باسم المنظمة كريستيان ليندماير في مؤتمر صحفي عقد الثلاثاء في جنيف إن تقارير ميدانية تحدثت عن سقوط أمطار محملة بالنفط في بعض المناطق بعد قصف مصفاة نفط، ما أدى إلى انتشار سحب كثيفة من الدخان الأسود في سماء طهران ومناطق أخرى، وأكدت المنظمة دعمها لنصيحة السلطات الإيرانية التي دعت السكان إلى البقاء في منازلهم في المناطق الأكثر تضرراً، في إجراء وقائي للحد من التعرض للهواء الملوث.
تلوث الهواء بمركبات سامة
تشير التقديرات العلمية إلى أن القصف الذي استهدف منشآت تخزين النفط والمصافي في إيران أدى إلى إطلاق كميات كبيرة من الملوثات في الغلاف الجوي، منها الهيدروكربونات السامة وأكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، وتوضح دراسات بيئية أن احتراق النفط يمكن أن يطلق آلاف الأطنان من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة التي تبقى عالقة في الهواء لفترات طويلة، بحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة وتعد هذه الجسيمات، خاصة تلك التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، من أخطر الملوثات الصحية لأنها قادرة على اختراق الجهاز التنفسي والوصول إلى مجرى الدم، وفق منظمة الصحة العالمية.
ملايين السكان تحت خطر التلوث
يعيش في طهران وحدها أكثر من 9 ملايين نسمة، في حين يتجاوز عدد سكان منطقة العاصمة الكبرى 15 مليون شخص، ما يجعل أي تدهور في جودة الهواء قضية صحية واسعة النطاق، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن تلوث الهواء يتسبب سنوياً في نحو 40 ألف حالة وفاة مبكرة في إيران، معظمها نتيجة أمراض القلب والرئة المرتبطة بالجسيمات الدقيقة والملوثات الكيميائية، ومع ظهور ظاهرة المطر الأسود، يخشى الخبراء من ارتفاع مستويات التلوث بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.
ضحايا التلوث
تشير الإحصاءات الصحية والبيئية الحديثة إلى أن تلوث الهواء والمياه يمثل أحد أخطر التحديات الصحية في إيران، حيث يسبب سنوياً عشرات الآلاف من الوفيات المبكرة، ووفقاً لبيانات وزارة الصحة الإيرانية ودراسات أكاديمية حديثة، أدى تلوث الهواء وحده إلى وفاة ما يقارب 58,975 شخصاً خلال 2024–2025، أي ما يعادل نحو 161 وفاة يومياً أو سبع وفيات كل ساعة نتيجة التعرض الطويل للجسيمات الدقيقة (PM2.5) التي تخترق الجهاز التنفسي وتصل إلى مجرى الدم، وفق وزارة الصحة الإيرانية.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الملوثات ترتبط بنحو 23 في المئة من وفيات أمراض القلب الإقفارية، و21 في المئة من حالات سرطان الرئة، و17 في المئة من حالات الانسداد الرئوي المزمن، إضافة إلى نسب كبيرة من السكتات الدماغية والتهابات الجهاز التنفسي، كما تظهر البيانات أن العاصمة طهران وحدها سجلت ما يقارب 6 آلاف إلى 7 آلاف وفاة سنوياً مرتبطة بتلوث الهواء، في حين تقدر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الوفيات والأمراض المرتبطة بالتلوث بأكثر من 17 مليار دولار سنوياً، وفق مركز أبحاث جودة الهواء بجامعة شهيد بهشتي.
وفيما يتعلق بتلوث المياه، تشير تقارير بيئية إلى أن تدهور جودة المياه نتيجة التصريف الصناعي والزراعي أدى إلى انتشار أمراض منقولة بالمياه في بعض المناطق، في ظل أزمة مائية حادة تعاني منها البلاد بسبب الجفاف واستنزاف الموارد المائية، ما يزيد من المخاطر الصحية على ملايين السكان.
تداعيات صحية محتملة
يحذر علماء الصحة البيئية من أن التعرض المباشر للدخان الناتج عن احتراق النفط أو للأمطار الملوثة قد يؤدي إلى مجموعة من الأعراض الصحية، منها الصداع وتهيج العينين والجلد وصعوبات التنفس، كما تشير الدراسات الطبية إلى أن التعرض طويل الأمد لبعض المركبات الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري، مثل البنزين والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض مزمنة وبعض أنواع السرطان، وفق منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان.
ظاهرة المطر الأسود
يحدث المطر الأسود عندما تختلط قطرات المطر بالجسيمات الدقيقة والرماد الناتج عن الحرائق أو الانفجارات الصناعية، ما يؤدي إلى تغير لون المطر إلى الأسود أو الرمادي الداكن، وفي تصريحات صحفية أوضح الباحث في علوم المناخ بجامعة ريدينج أكشاي ديوراس أن نمطاً جوياً دخل المنطقة جلب أمطاراً اختلطت بالجسيمات الملوثة في الهواء، وهو ما أدى إلى سقوط أمطار محملة ببقايا النفط والمواد الكيميائية. وأشار إلى أن الظاهرة تمثل مؤشراً واضحاً على حجم التلوث في الغلاف الجوي.
أزمة بيئية تتفاقم
تأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه إيران أصلاً من مستويات مرتفعة من تلوث الهواء، فقد صنفت تقارير دولية عدداً من المدن الإيرانية ضمن أكثر المدن تلوثاً في الشرق الأوسط، وفق تقارير قاعدة بيانات جودة الهواء العالمية، وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن مستويات الجسيمات الدقيقة في بعض المدن الإيرانية تتجاوز في أحيان كثيرة المعايير الصحية العالمية بأكثر من خمسة أضعاف، وهو ما يزيد من حساسية السكان لأي موجة تلوث جديدة.
أعربت منظمات بيئية وحقوقية دولية عن قلقها من الآثار الإنسانية والبيئية الناجمة عن استهداف البنية التحتية للطاقة خلال النزاعات المسلحة، وأكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن تدمير المنشآت النفطية قد يؤدي إلى كوارث بيئية واسعة النطاق، منها تلوث الهواء والتربة والمياه، ما قد يترك آثاراً طويلة الأمد في صحة السكان والنظم البيئية.
القانون الدولي والبيئة في النزاعات
يشير خبراء القانون الدولي الإنساني إلى أن حماية البيئة المدنية تمثل أحد المبادئ الأساسية خلال النزاعات المسلحة، وتنص البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف على ضرورة تجنب الهجمات التي قد تسبب أضراراً واسعة النطاق وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية، كما تؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن تدمير المنشآت الصناعية أو النفطية قد يؤدي إلى آثار إنسانية خطيرة إذا تسبب في تلوث واسع النطاق يهدد صحة المدنيين.
تجارب تاريخية مماثلة
بحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة ليست هذه المرة الأولى التي تظهر فيها ظاهرة المطر الأسود نتيجة حرائق النفط أو العمليات العسكرية، فقد شهدت منطقة الخليج خلال حرب عام 1991 حرائق ضخمة في آبار النفط الكويتية أدت إلى انتشار سحب كثيفة من الدخان الأسود وسقوط أمطار ملوثة في بعض المناطق، وتشير الدراسات العلمية التي أجريت لاحقاً إلى أن تلك الحرائق أطلقت ملايين الأطنان من الملوثات في الغلاف الجوي، ما أدى إلى تدهور جودة الهواء في المنطقة لعدة أشهر.
مخاوف من استمرار التلوث
يحذر خبراء البيئة من أن استمرار الهجمات على منشآت الطاقة قد يؤدي إلى تفاقم التلوث في المنطقة إذا تكررت الحرائق والانبعاثات السامة، وأوضح مراقبون أن تحسن جودة الهواء يعتمد بشكل أساسي على توقف الانبعاثات الجديدة وعودة الظروف الجوية الطبيعية التي تساعد على تشتت الملوثات، ومع ذلك، فإن استمرار أي عمليات قصف جديدة قد يؤدي إلى تجدد الظاهرة وارتفاع مستويات التلوث مرة أخرى.
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التلوث الناتج عن احتراق النفط لا يقتصر تأثيره على المدى القصير، بل قد يمتد لسنوات إذا ترسبت المواد السامة في التربة والمياه. ويؤكد خبراء الصحة العامة أن التعرض المزمن للملوثات الكيميائية يمكن أن يزيد من معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والسرطان، وهو ما يثير مخاوف بشأن التداعيات طويلة الأمد لهذه الأزمة البيئية.











